ابن كثير

258

البداية والنهاية

أستاذه المنصور علي بن المعز التركماني إلى هذه المدة ، وهي أواخر ( 1 ) ذي القعدة نحوا ( 2 ) من سنة ، رحمه الله وجزاه عن الاسلام وأهله خيرا . وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري قد اتفق مع جماعة من الامراء على قتله ، فلما وصل إلى هذه المنزلة ضرب دهليزه وساق خلف أرنب ، وساق معه أولئك الامراء فشفع عنده ركن الدين بيبرس في شئ ( 3 ) فشفعه ، فأخذ يده ليقبلها فأمسكها وحمل عليه أولئك الامراء بالسيوف فضربوه بها ، وألقوه عن فرسه ورشقوه بالنشاب حتى قتلوه رحمه الله ، ثم كروا راجعين إلى المخيم وبأيديهم السيوف مصلتة ، فأخبروا من هناك بالخبر ، فقال بعضهم من قتله ؟ فقالوا : ركن الدين بيبرس ، فقالوا أنت قتلته ؟ فقال : نعم ، فقالوا : أنت الملك إذا ، وقيل لما قتل حار الامراء بينهم فيمن يولون الملك ، وصار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك ، وأن يصيبه ما أصاب غيره سريعا ، فاتفقت كلمتهم على أن بايعوا بيبرس البندقداري ، ولم يكن هو من أكابر المقدمين ، ولكن أرادوا أن يجربوا فيه ، ولقبوه الملك الظاهر ، فجلس على سرير المملكة وحكمه ، ودقت البشائر وضربت الطبول والبوقات وصفرت الشغابة ، وزعقت الشاووشية بين يديه ، وكان يوما مشهودا وتوكل على الله واستعان به ، ثم دخل مصر والعساكر في خدمته ، فدخل قلعة الجبل وجلس على كرسيها ، فحكم وعدل وقطع ووصل وولى وعزل ، وكان شهما شجاعا أقامه الله للناس لشدة احتياجهم إليه في هذا الوقت الشديد والامر العسير ، وكان أولا لقب نفسه بالملك القاهر ، فقال له الوزير : إن هذا اللقب لا يفلح من يلقب به . تلقب به القاهر بن المعتمد فلم تطل أيامه حتى خلع وسملت عيناه ، ولقب به القاهر صاحب الموصل فسم فمات ، فعدل عنه حينئذ إلى الملك الظاهر ، ثم شرع في مسك من يرى في نفسه رئاسة من أكابر الامراء حتى مهد الملك . وقد كان هولاكو خان لما بلغه ما جرى على جيشه من المسلمين بعين جالوت أرسل جماعة من جيشه الذين معه كثيرين ليستعيدوا الشام من أيدي المسلمين ، فحيل بينهم وبين ما يشتهون فرجعوا إليه خائبين خاسرين ، وذلك أنه نهض إليهم الهزبر الكاسر والسيف الباتر الملك الظاهر ، فقدم دمشق وأرسل العساكر في كل وجه لحفظ الثغور والمعاقل بالأسلحة ، فلم يقدر التتار على الدنو إليه ، ووجدوا الدولة قد تغيرت ، والسواعد قد شمرت ، وعناية الله بالشام وأهله قد حصلت ، ورحمته بهم قد نزلت ، فعند ذلك نكصت شياطينهم على أعقابهم ، وكروا راجعين القهقرى ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات . وقد كان الملك المظفر قطز رحمه الله استناب على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي أحد الأتراك ، فلما بلغه مقتل المظفر دخل القلعة ودعا

--> ( 1 ) في بدائع ابن إياس : يوم السبت خامس عشر ذي القعدة ، وفي تاريخ أبي الفداء 3 / 207 : سابع عشر ذي القعدة . ( 2 ) في تاريخ أبي الفداء : أحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما . ( 3 ) قال ابن إياس : انه أنعم عليه ( أي على بيبرس ) بجارية مليحة . وفي تاريخ أبي الفداء : شفع عنده في انسان فأجابه إلى ذلك .